رعاتنا الرسميين

 

للإعلان على راديو  90s FM اتصل ب 01009573615

بودكاستموسم برامج شهر 5-2025

اضطراب الشخصية الاكتئابية , الحلقة الرابعة من برنامج ضيف “معركة خفية”, سمية أيمن

اضطراب الشخصية الاكتئابية

الحلقة الرابعة من برنامج ضيف “معركة خفية”, سمية أيمن

للاستماع إلى حلقة اضطراب الشخصية الاكتئابية

 

اضطراب الشخصية الاكتئابية

اضطراب الشخصية الاكتئابية (المعروف أيضًا بالشخصية السوداوية) هو نمط متواصل في التفكير والسلوك يميل إلى التشاؤم والحزن الدائم. بعبارة مبسطة، يمكن القول إن المصاب به يعيش حياة تمرُّ عبر نظارات داكنة: فهو يشعر بالكآبة وفقدان المتعة في أغلب الأوقات ويعتقد أنه غير جدير أو سيء الحظ. وُصِف هذا الاضطراب في بعض الأدبيات بأنه «تشخيص نفسي يشير إلى وجود خلل في الشخصية مع سمات الاكتئاب» .
جدير بالذكر أن اضطراب الشخصية الاكتئابية ليس تشخيصًا مستخدمًا حاليًا في أحدث كتب الصحة النفسية (أي DSM-5)، لأنه يشترك كثيرًا مع تشخيص آخر هو « الاضطراب الاكتئابي المستمر » المعروف سابقًا بالعُسْر المزاجي  . بيد أن هذه الحالة لا تزال محل اهتمام بحثي؛ فهي تركز على الأشخاص الذين يظهر عليهم المزاج المكتئب كجزء ثابت من شخصيتهم وليس فقط كأزمة مؤقتة.

كيف يبدو الاضطراب في الحياة اليومية؟

غالبًا ما يلاحظ المحيطون بالشخص المصاب بهذا الاضطراب أنه متشائم باستمرار ولا يشعر بالسعادة في أغلب الأوقات  . قد يصحب وجهه عادة نظرة كئيبة، ويشكو أنه لا يستمتع بالأشياء التي تجلب الفرح للآخرين. على سبيل المثال، إذا رأى أصدقاءَهُ يضحكون أو يستمتعون بخروج اجتماعي، قد يظل متذمرًا ويقول: « ما الفائدة ؟ لن يستمر هذا الفرح طويلًا ». (عم ضياء: كله رايح)
كما تتأثر علاقاته الاجتماعية. يعاني هؤلاء الأفراد من صعوبات في بناء علاقات دافئة وتوطيد صداقات  . فهم غالبًا ما يشعرون بالخجل أو القلق من رفض الآخرين، وربما يعتزلون المناسبات الاجتماعية، مخافةَ ألا يُستحسنوا أو ألا يكونوا على قدر كافٍ من الجدارة. في الحياة العملية، يمكن أن يظهروا مثابرين ومجتهدين أحيانًا لدرجة مبالغة، خوفًا من الخطأ أو النقد، أو قد يصابون بعرقلة في إنجاز المهام بسبب انخفاض الطاقة والتردد المستمر.
باختصار، الشخص المكتئب الشخصية يعيش حياة يومية يكتنفها التوتر والحزن. حتى في اللحظات العادية، يكون لديه شعور داخلي بأنه « شيء ناقص »؛ وقد يصفه الآخرون بأنه شخص « بلا بهجة »، لا يستطيع الاستمتاع حتى بالمناسبات السعيدة  .

الأعراض الشائعة

تشمل سمات هذا الاضطراب مجموعة من الأعراض والأفكار السلبية المستمرة. من أهم هذه الأعراض:
•مزاج مكتئب دائم: يغلب على صاحبه الشعور بالحزن والكآبة دون سبب واضح، ولا يجد متعة في الأنشطة اليومية .
•انخفاض تقدير الذات: يعتقد دائمًا أنه غير كافٍ أو فاشل، ويميل إلى لوم نفسه على أي خطأ  .
•نقد ذاتي مستمر: ينتقد نفسه بقسوة ويعاقبها على الأخطاء، حتى الصغيرة منها  .
•نظرة متشائمة للحياة: يتوقع دائمًا الأسوأ في المستقبل، ويعتقد أن الأمور ستسوء أكثر .
•القلق المفرط والتفكير الزائد: يكون مُعرَّضًا للشعور بالقلق والغم بأفكاره، وقد يمكث طويلاً يفكر في الأخطاء الماضية أو في الاحتمالات السلبية .
•شعور دائم بالذنب: غالبًا ما يلوم نفسه بشدة ويعاني من تأنيب الضمير حتى عندما تكون الأمور خارجة عن إرادته  .
•نفور اجتماعي: يميل لأن يكون منعزلًا وخجولًا، وقد يتجنب الاختلاط خوفًا من رفض الآخرين  .
هذه الأعراض تكون ثابتة لسنوات طويلة، على عكس نوبات الاكتئاب الحادة المتقطعة. في الاضطراب الاكتئابي الشخصي، تستمر العلامات لفترة طويلة (سنتين أو أكثر)  ، ولا تختفي تمامًا كما في حالات الاكتئاب العرضية.

الأسباب المحتملة

لا يوجد سبب واحد واضح لاضطراب الشخصية الاكتئابية؛ فهو غالبًا نتاج تداخل عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية.
•عوامل وراثية وبيولوجية: أظهرت دراسات أن هناك ميلًا وراثيًا للأمراض المزاجية؛ فإذا كانت العائلة لديها تاريخ من الاكتئاب فإن الفرصة تزداد للإصابة به. كما يلعب اختلال بعض النواقل العصبية في الدماغ (مثل السيروتونين والدوبامين) دورًا في المشاعر السلبية .
•صدمات الطفولة والتربية: قد تساهم تجارب الطفولة الصعبة في نشأة هذا الاضطراب. فمثلاً فقدان أحد الوالدين أو الإحساس بغياب الرعاية والعاطفة في الصغر، أو الإساءات والتوبيخ المستمر، جميعها عوامل تزيد من هشاشة شخصية الطفل المستقبلية  . فقد وجدت أبحاث أن الأشخاص الذين تعرضوا لإهمال أو إساءة في الطفولة كانوا أكثر عرضة لاحقًا لاكتساب سمات الاكتئاب المزمن. فعدم استجابة الأم لطفلها عند بكاءه يساهم كثيراً في نشأة الاضطراب حيث يتوقع ويؤمن هذا الشخص في المستقبل أنه مهما حاول أو اجتهد فنتيجة دائما ستكون “عدم الإستجابة”.
•عوامل نفسية: يميل بعض الأشخاص بطبيعتهم إلى التفكير بطريقة سلبية أو انطوائية، أو يعانون من درجات عالية من القلق والاضطراب العاطفي (كما في اضطراب الشخصية الحاجزة مثلاً)، مما يجعلهم أكثر عُرضة لتطور شخصية مكتئبة.
•ضغوط الحياة: الأحداث الصادمة أو الضغوط الكبيرة مثل فقدان وظيفة، المشاكل المادية، أو علاقات معقدة، يمكن أن تؤدي إلى تعزيز هذا الاضطراب أو تحفيزه لدى الشخص المعرض له.
باختصار، اضطراب الشخصية الاكتئابية ينشأ عادةً من مزيج معقد: أسس بيولوجية من دماغ حساس، وتجارب حياتية صعبة، وشخصية تميل إلى السلبية  .

كيفية التشخيص

لا توجد فحوصات مخبرية (مثل دم أو أشعة) للتشخيص. يعتمد الأطباء والأخصائيون النفسيون على المقابلات السريرية وتقييم التاريخ النفسي للشخص. يسألون عن الأعراض وتاريخها منذ سنوات، وعن أي حالات نفسية أو أفراد أسرة مصابين بالاكتئاب أو اضطرابات أخرى.
في الماضي (حسب DSM-IV)، كان يتم تشخيص اضطراب الشخصية الاكتئابية إذا توافرت خمس سمات أو أكثر من سمات القوائم التالية في أغلب الأيام لمدة عامين على الأقل :
•مزاج سائد من الكآبة الدائمة
•اعتقادات مستمرة بعدم الكفاية وضعف الذات
•نقد ذاتي مستمر وإلقاء اللوم على الذات
•تفكير مفرط مشغول بالقلق
•نظرة سلبية وانتقاد للآخرين
•تشاؤم مستمر
•ميل دائم للشعور بالذنب والندم
ومع ذلك، في الواقع الحالي، لا يعد هذا الاضطراب تشخيصًا رسميًا منفصلًا في دليل DSM-5 الجديد  . فغالبًا يتم تشخيص الحالة تحت مسمى « اضطراب اكتئابي مستمر » أو ضمن اضطرابات الشخصية الأخرى مع الإشارة إلى الطابع الاكتئابي. وعلى أي حال، يستند التشخيص على ملاحظة استمرار هذه السمات الشخصية والاكتئابية لفترة طويلة، واستبعاد كونها جزءًا من نوبة اكتئاب حادة منفصلة  .

طرق العلاج المتاحة

يعتمد العلاج على الجمع بين العلاج النفسي والأدوية، إلى جانب بعض الاستراتيجيات التكميلية.
•العلاج النفسي: يعتبر الأساس في العلاج. على سبيل المثال، يلجأ المعالجون عادة إلى العلاج السلوكي المعرفي (CBT) ومشتقاته؛ لأنه يساعد الشخص على التعرف على الأفكار السلبية المستمرة وتحدّيها، وتعلم طرق جديدة للتفكير والتصرف. كما قد يفيد العلاج بين الأشخاص (IPT) في تحسين مهارات التواصل والعلاقات الاجتماعية. وقد ذكر بعض الأخصائيين أن العلاج النفسي بالاستبصار (أي محاولة فهم جذور الحزن وتطوير رؤية أفضل للمشاكل) فعال جداً مع هؤلاء المرضى .
•الأدوية: قد يصف الطبيب مضادات الاكتئاب، مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) أو مثبطات السيروتونين-نورإبينفرين (SNRIs)، لتخفيف الأعراض المزمنة . في بعض الحالات الخاصة، يُستخدم أحيانًا منبه خفيف (مثل جرعات منخفضة جدًا من الأمفيتامين) للتغلب على الخمول النفسي، لكن ذلك لا يتم إلا تحت إشراف طبي دقيق .
•الدعم والحياة الصحية: من المفيد أيضًا ممارسة التمارين الرياضية بانتظام والنوم المنتظم وتناول غذاء صحي، لأن هذه العوامل تحسّن المزاج العام. وتشير الأبحاث إلى أن ممارسة الرياضة المعتدلة لثلاث ساعات في الأسبوع (أي نحو 150 دقيقة) يمكن أن تخفف أعراض الاكتئاب والقلق بشكل ملحوظ . كما تساعد تقنيات الاسترخاء (كالتمارين التنفسية أو التأمل) على التخفيف من الضغط النفسي اليومي.
•دعم اجتماعي: الدعم من الأهل والأصدقاء مهم. المشاركة في مجموعات دعم أو أنشطة اجتماعية يمكن أن تخفف إحساس العزلة.
غالبًا ما تكون أفضل النتائج بالعلاج عندما يجمع الشخص المصاب بين هذه الوسائل (التأهيل النفسي، الدواء، والنشاطات الداعمة)  .

التأثير على العلاقات والعمل والحياة الاجتماعية

يؤثر اضطراب الشخصية الاكتئابية بوضوح على الجوانب اليومية لحياة الشخص المصاب. في العلاقات الشخصية، قد يشعر المحيطون به بالعجز عن إسعاده؛ فهو يميل إلى رفض التسلية والأنشطة الاجتماعية للآخرين  . قد تضعفت تفاعلاته بسبب خوفه المتكرر من ألا يكون مقبولًا أو كافياً، مما يؤدي إلى إحساسه بالوحدة أو العزلة. كما أن نظرة التشاؤم الدائمة لديه قد تجعل من الصعب عليه التفاعل الإيجابي مع زملاء العمل أو أسرته، وربما يحدث سوء فهم؛ إذ يفسر كلمات الناس على نحو سلبي.
في العمل، قد يظهر المصاب بنوعين: إما أنه يصبح مثاليًّا ومركزًا على عمله خوفًا من الفشل (مما قد يؤدي إلى الإرهاق النفسي)، أو قد يعاني بانخفاض الإنتاجية بسبب الشعور بالتشاؤم والإحباط. على سبيل المثال، قد يقدم جهدًا كبيرًا لإنجاز مهمة؛ لكنه بعد ذلك يستسلم للشعور بأنه لم يكن ليكون كافيًا. إن هذه الديناميكية يمكن أن تؤثر على الأداء الوظيفي والعلاقات مع الزملاء، وربما تؤدي أحيانًا إلى تغييرات متكررة في العمل.
على الصعيد الاجتماعي، تؤثر الحالة بشكل عام على مستوى الحياة الاجتماعية والترفيهية. فغالبًا ما يرى المرضى أن المحادثات اليومية أو المناسبات لا تستحق العناء، فينحبسون في أنفسهم أو يرفضون دعوات الخروج. وجدت الدراسات الطبية أن الأشخاص الذين يعانون من اضطراب الشخصية الاكتئابية أكثر عرضة لتلقى العلاجات النفسية مقارنة بأقرانهم الذين يعانون فقط من نوبات الاكتئاب العرضي ، كما أنهم معرضون لاحتمال تطور أزمات اكتئابية حادة في المستقبل  .
بهذه الطريقة، يُمكن القول إن اضطراب الشخصية الاكتئابية يشبه علامة تحذير مبكرة على مشاكل مزاجية أشد قد تطرأ لاحقًا  . وهذا يبرز أهمية التعرف عليه مبكرًا والتعامل معه بمساندة صحية ونفسية مناسبة.

خلاصة

اضطراب الشخصية الاكتئابية هو حالة تعني استمرار الحزن الداخلي ونمط سلبي ثابت في الشخصية. يتظاهر ذلك في التفكير المتشائم، وضعف الشعور بالذات، والشعور بالذنب الدائم. يعيق هذا الاضطراب استمتاع الشخص بحياته اليومية ويؤثر على تواصله مع الآخرين  . بالرغم من عدم اعتراف الأدلة التشخيصية الحديثة به كاضطراب منفصل، فإن وعينا به يُساعد في فهم الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب المزمن. العلاج يتطلب مزيجًا من الدعم النفسي والدوائي، إلى جانب أساليب مساندة (الرياضة والاسترخاء)  . وبفضل الدراسات الحديثة، بات من الممكن تقديم علاج مبكر لهؤلاء الأشخاص، مما يحسن من جودة حياتهم ويقلل من مخاطر تدهور حالتهم مستقبلاً.

 

📚المصادر المستخدمة:

 

American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (DSM-5). Arlington, VA: American Psychiatric Publishing

 

‏ Millon, T., Grossman, S., Millon, C., Meagher, S., & Ramnath, R. (2004). Personality Disorders in Modern Life. Wiley

 

‏ Beck, A. T., & Alford, B. A. (2009). Depression: Causes and Treatment. University of Pennsylvania Press

 

‏ Hopwood, C. J., & Zanarini, M. C. (2010). “Borderline Personality Traits and Disorder: Predicting Prospective Patient Functioning”. Journal of Consulting and Clinical Psychology

 

‏Riso, L. P., du Toit, P. L., Blandino, J. A., et al. (2003). “Cognitive Aspects of Chronic Depression”. Journal of Abnormal Psychology

 

‏ Henry, C., Van den Bulke, D., et al. (2008). “Depressive Personality Disorder: A Valid Diagnostic Entity?”. The Journal of Affective Disorders

 

‏ Mayo Clinic Staff. (2023). Depression (major depressive 
‏disorder).

 

Psychiatry.org – الموقع الرسمي للجمعية الأمريكية للطب النفسي.

 

‏? PsychCentral. (2022-2024). What is Depressive Personality Disorder

 

‏World Health Organization. (2019). International Classification of Diseases (ICD-11)

 

‏National Institute of Mental Health (NIMH). (2022). Chronic Depression and Treatment

 

‏American Psychological Association (APA)
زر الذهاب إلى الأعلى