رعاتنا الرسميين

 

للإعلان على راديو  90s FM اتصل ب 01009573615

بودكاستموسم برامج شهر 5-2025

اضطراب الشخصية الإعتمادية الحلقة السابعة من برنامج ضيف “معركة خفية”, سمية أيمن

اضطراب الشخصية الإعتمادية

الحلقة السابعة من برنامج ضيف “معركة خفية”, سمية أيمن

للاستماع إلى حلقة اضطراب الشخصية الإعتمادية

 

اضطراب الشخصية الاعتمادية

اضطراب الشخصية الاعتمادية هو اضطراب نفسي يتسم بالاعتماد المفرط على الآخرين في تلبية الاحتياجات اليومية والعاطفية . يشعر المصاب بأنه غير قادر على اتخاذ القرارات أو حل المشكلات دون مساعدة، وقد يعتقد أن حياته لا تستقيم بدون وجود من يهتم به ويرشده . عادةً ما يصاحب هذا الاضطراب مشاعر قلق دائم وخوف من الانفصال عن المقربين، فينشغل المريض بالحفاظ على وجود الآخرين معه بأي ثمن. يصنف أطباء النفس اضطراب الشخصية الاعتمادية ضمن المجموعة (C) من اضطرابات الشخصية، التي تسودها مشاعر الخوف والقلق . وقد كان يعرف سابقاً باسم اضطراب الشخصية الواهنة (Asthenic Personality Disorder)، ويبدأ مظهره غالباً في مرحلة المراهقة أو أوائل البلوغ. بشكل عام، يعاني المصابون بهذا الاضطراب من شعور دائم بالعجز وقلة الثقة في القدرات الذاتية، ما يعيق استقلاليتهم ويؤثر سلباً على قدرتهم على تحقيق أهدافهم الشخصية . الشخصية الإعتمادية تؤمن أن الإستقلالية طريق الهلاك واشارة إلي الخطر الشديد .

 

الأسباب المحتملة

لا يزال السبب الدقيق لاضطراب الشخصية الاعتمادية غير معروف بشكل كامل، لكن يتفق الخبراء على عدة عوامل تساهم في احتماله:
•العوامل النفسية وتجارب الطفولة: قد تلعب علاقة الوالدين المفرطة بالحماية أو المسيطرة دوراً أساسياً. فالأطفال الذين نشأوا في بيئات حميمة جداً أو على العكس صعبة وغير مستقرة، أو الذين تعرّضوا للإساءة أو الإهمال، يميلون إلى تطوير شعور بأنهم غير قادرين على الاعتماد على أنفسهم .
•العوامل الوراثية: أظهرت دراسات أن لدى اضطراب الاعتمادية بعداً وراثياً. ففي دراسة توأم عام 2004 مثلاً، بيّن الباحثون أن ما بين 55% و72% من الذين يعانون الاضطراب قد يتلقون قابلية جينية من أحد الوالدين . كما أن وجود أفراد من العائلة مصابين باضطرابات قلق أو شخصية مماثلة يزيد من خطر الإصابة لدى الأجيال التالية .
•العوامل البيئية والثقافية: تؤثر الأدوار والتوقعات الاجتماعية أيضاً، فبعض الثقافات أو العائلات تحثّ على الاعتماد على الأب أو الزوج بشكل مفرط. كذلك يمكن أن تؤدي ممارسات دينية أو تقاليد اجتماعية تشجع على طاعة السلطة وعدم التعبير عن الرأي إلى تعزيز سمات الاعتمادية لدى الفرد .
•العوامل النفسية الشخصية: انخفاض احترام الذات والقلق العام قد يعمّق الشعور بالعجز . فالشخص الضعيف الثقة في نفسه قد يجد صعوبة في تأكيد استقلاليته، مما يجعله يبحث عن الأمان الدائم عبر الآخرين .
هذه العوامل تتفاعل معاً لتنشأ شخصية اتكالية . وعادةً ما يبدأ الشخص في مواجهة صعوبات واضحة حين يكون وحيداً دون مشورة أو دعم ما يشجعه على الحفاظ على علاقاته حتى لو كانت مجحفة به .

 

 

الأعراض والسلوكيات المرتبطة

تظهر على الشخص المصاب اضطراب الشخصية الاعتمادية عدة سمات وسلوكيات مميزة نذكر منها:
•صعوبة اتخاذ القرار: يعاني المريض صعوبة كبيرة في اتخاذ أبسط القرارات اليومية دون مساعدة أو إرشاد من الآخرين . فعلى سبيل المثال، قد لا يستطيع اختيار طعامه أو ملابسه دون العودة إلى أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء .
•الخوف من الهجر: يخشى بشدة أن يرفضه من حوله أو يهجره أحبابه، فيصرّ على البقاء ضمن العلاقات مهما كانت غير صحية . هذا الخوف يدفعه أحياناً إلى تحمل المعاملة السيئة لقاء الحفاظ على وجود الطرف الآخر في حياته .
•انعدام الثقة بالنفس والعجز الذاتي: يشعر المريض بانعدام الكفاءة، ولا يثق بقدراته على القيام بمهام حياته اليومية وحده . لذا يهاب مواجهة التحديات بمفرده ويلتجئ دائماً إلى الدعم الخارجي .
•الاعتماد المفرط على الآخرين: يبدي المصاب حاجة دائمة إلى الطمأنة والإرشاد. قد يعتمد على شخص واحد (كالزوج أو الصديق) في أمور شتى، حتى في وظائف وأهداف حياتية كاختيار الوظيفة أو دراسة مجال معين .
•السلوك الخاضع والتنازلي: يوافق المريض بسهولة على طلبات الآخرين ويتجنب التعبير عن خلاف أو غضب خوفاً من فقدان دعمهم . فيستمر في علاقة حتى لو كان يعلم أنها تؤذيه، وذلك بدافع الخوف من التخلي .
•الحاجة المفرطة للدعم والرعاية: يسعى المريض إلى إيجاد كل جديد يوفر له الدعم والرعاية فور انتهاء أي علاقة وثيقة . وعند انتهاء أي علاقة مقربة، يعاني فراغاً فورياً يبحث عن من يملأه بمجرد انتهاء علاقة قديمة.
•الخجل والحساسية الزائدة: يميل الشخص الاعتمادي إلى إظهار خجل وقلق اجتماعياً، ويشعر بالإحراج الشديد إذا عُرض للتوبيخ أو النقد. واظهار الحساسية والقلق تكون نوع من أنواع الحماية للمضطرب يظهرها كي يتعاطفوا معه الآخرين فيدعموه ويحملوا عنه المسؤليات .
توضح الصورة أعلاه بعض السلوكيات الشائعة لدى الأشخاص المصابين باضطراب الشخصية الاعتمادية . نرى مثلاً شخصاً مرتبكاً لا يستطيع اتخاذ قرار دون التأكيد والتطمين من الآخرين، وآخر عبّر عن خوفه بأنه غير قادر على الاعتناء بنفسه . واظهار الخوف الشديد والارتباك قد يجعل الأشخاص المحاوطين للمضطرب أن لا يتخلوا عنه رغم معانتهم لأنهم يشعرون بالمسؤلية اتجاه الشخص. وتُظهر الصورة أيضاً صعوبات في التعبير عن الرأي وميلاً للبقاء مع الآخرين حتى مع شعوره بعدم الراحة . هذه السلوكيات تؤكد مدى الاعتماد العالي على الآخرين في حياتهم اليومية .

 

تأثير الاضطراب على الحياة والعلاقات

يفرض اضطراب الشخصية الاعتمادية تحديات كبيرة على حياة المصاب وعلاقاته الأسرية والاجتماعية والمهنية . فالأشخاص المصابون غالباً ما يبقون في علاقات غير متوازنة، ويضحون براحتهم ومصالحهم الخاصة حفاظاً على رعاية الآخرين . وقد يُجبر المريض على تحمل سوء المعاملة أو الاستغلال حتى لا يثقله بالخلاف أو يبدد دعمه . ويؤثر هذا النمط على الأداء الوظيفي والاجتماعي؛ فالمصاب قد يتجنب تغيير عمله أو بدء مشروع جديد خوفاً من عدم توفر المساندة الكافية، مما يفوّت عليه فرصاً شخصية ومهنية. وتشير الدراسات إلى أن اضطراب الشخصية الاعتمادية يُضعف بشكل عام القدرة على التفاعل الطبيعي في العمل والحياة اليومية .
غالباً ما يصاحب الاعتمادية مشكلات نفسية أخرى؛ فقد يصاب المريض باكتئاب أو قلق مفرط نتيجة الشعور المستمر بالعجز وفقدان الأمان عند فقدان شخص يعتمد عليه . كما أشارت أبحاث طبية إلى أن الأشخاص الاعتماديين معرضون بخطر أعلى للوقوع في علاقات مؤذية أو مسيئة؛ فعند خسارة علاقة مهمة قد يعانون أفكاراً انتحارية أو يزيد شعورهم باليأس . باختصار، تُنشئ الاعتمادية نمط حياة يتسم بالاستسلام والمخاوف المتكررة من الوحدة، مما يؤثر سلباً على نوعية حياة المصاب وجودة علاقاته بكل من حوله .

 

طرق العلاج

يستند علاج اضطراب الشخصية الاعتمادية أساساً إلى العلاج النفسي والدعم الاجتماعي المستمر . وتشمل الخيارات الرئيسة:
•العلاج النفسي الفردي (العلاج بالكلام): يعدّ العلاج السلوكي المعرفي (CBT) والعلاج النفسي الديناميكي من العلاجات الفعّالة. يساعد المعالج المريض على إدراك أنماط تفكيره الاعتمادية واستبدالها بأفكار أكثر استقلالية . كما يركز على مواجهة المخاوف من الاستقلالية وتعزيز الثقة بالنفس .
•العلاج الجماعي أو مجموعات الدعم: يمكن للمرضى الاستفادة من مشاركة تجاربهم مع آخرين يعانون نفس الاضطراب . توفر المجموعات فرصاً للتعلم من تجارب الآخرين، وتشجيع المصاب على بناء شبكة دعم أوسع بدلاً من الاعتماد على شخص واحد فقط .
•تدريب المهارات الحياتية والاجتماعية: يكتسب المصاب تدريجياً مهارات حل المشكلات واتخاذ القرارات بمساعدة المعالج. تشمل الجلسات التعلم التدريجي لكيفية الاعتماد على النفس واتخاذ مبادرات صغيرة دون استشارة دائمة .
•دعم الأسرة والمحيط: يعتبر دعم الأسرة والأصدقاء أساسياً في العلاج . فالتوعية بحالة المريض وكيفية التعامل معه تُساهم في تقليل الضغط النفسي عنه . يُنصح الأشخاص المقربون بتشجيعه على القيام بخطوات صغيرة نحو الاستقلال، ومنحه الثقة والتشجيع المستمر . تجدر الإشارة إلى أن الاهتمام الزائد قد يعزز الاعتمادية، لذا يجب موازنة ذلك بدعم تنمية ثقة المصاب بنفسه.
•الأدوية: لا يوجد دواء مخصص لعلاج هذا الاضطراب . ومع ذلك، قد يصف الطبيب مضادات الاكتئاب أو مضادات القلق في حال تواجد أعراض مصاحبة مثل القلق الشديد أو الاكتئاب . تساعد هذه الأدوية على تخفيف بعض الأعراض والأفكار السلبية بينما يركز العلاج الأساس على الجوانب النفسية .
تظهر الصورة أعلاه جلسة علاج نفسي، وهو المحور الأساسي لعلاج الاعتمادية. يعمل المعالج على مساعدة المريض في التعبير عن مخاوفه والتعرف إلى نقاط القوة في شخصيته . مع مرور الوقت، يمكّن هذا النوع من العلاج المريض من اكتساب ثقة أكبر بنفسه والبدء باتخاذ قرارات تدريجية بمفرده، مما يخفف من الاعتمادية يوماً بعد يوم .

 

قصتان من الواقع

قصة 1 :
سعاد فتاة في مطلع العشرينيات تعيش مع والديها في إحدى المدن . لطالما اعتمدت سعاد على نصائح والدها في كل شيء، من اختيار ملابسها إلى ترتيب جدول دراستها . في الجامعة، وجدت سعاد صعوبة بالغة في الانضمام لمجموعات الدراسة أو حضور الفعاليات الاجتماعية دون أحد أفراد أسرتها. إذ تشعر بالأمان فقط عندما تعلم أن هناك من يوجهها. في موقف واحد، كان عليها تقديم مشروع شخصي، لكنها ترددت كثيراً وطلبت من أخيها إعداد العرض معها خوفاً من الفشل . شجّعها المعالج النفسي على تجربة القيام بمهام بسيطة بمفردها، فبدأت تدريجياً في اتخاذ قرارات صغيرة -مثل تحديد الوجبات اليومية بنفسها- مع الدعم المتواصل من المعالج . ومع مرور الوقت، تحسنت ثقتها بنفسها، ولكنها ما زالت تخشى تحمل المسؤولية وحدها في بعض الأحيان .
قصة 2 :
أحمد موظف في الثلاثينيات من عمره، يعيش مع زوجته ويعمل في شركة . يعاني أحمد من اضطراب الشخصية الاعتمادية لكنه لم يدرك ذلك إلا عندما لاحظت زوجته حالته عليه . كان أحمد يشكو دائماً من قلق دائم، ويطلب من زوجته مراجعة رسائله الإلكترونية قبل إرسالهاتها “للتأكد” من أنه لا يخطئ . كان يتجنب التحدث مع رئيسه مباشرة ويفضل أن تكون زوجته هي التي تتباحث معه أحياناً بشأن دوام عمله. عندما بدأت الزوجة بالابتعاد قليلاً (بدافع العمل أحياناً)، ارتفع خوف أحمد من أنها ستتركه، وشعر بعجز تام . بعد تشجيع من زوجته، بدأ أحمد جلسات علاج نفسي، حيث تعلّم تدريجياً كيفية التعبير عن رأيه بثقة والتعامل مع مخاوفه بشأن العمل والاعتماد على نفسه فيه . ومع استمرار الدعم النفسي، بدأ يخطو خطوات مستقلة مثل التحدث مع مديره مباشرة وتخطيط إجازاته دون الحاجة للاستئذان المسبق .

 

في الختام:
وبناءً على ما سبق، يؤكد المختصون أن فهم طبيعة اضطراب الشخصية الاعتمادية والاعتراف به أول خطوة نحو العلاج . فالتواصل مع أخصائي نفسي واستشارة العائلة حول هذه الحالة تمكن المريض من التعافي التدريجي واستعادة قدر أكبر من الاعتماد على الذات . المعلومات العصرية والدعم المجتمعي المتواصل يساهمان بدورهما في تخفيف العبء النفسي على المريض وأسرته، مما يعزز فرص الشفاء والتحسن على المدى الطويل .

🔹 المراجع

1. Cleveland Clinic. (2023). Dependent Personality Disorder (DPD).
2. American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed.). DSM-5.
3. ? PsychCentral. (2022). What is Dependent Personality Disorder
https://psychcentral.com/disorders/dependent-personality-disorder
4. National Library of Medicine. (2004). The heritability of personality disorders in twin studies.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov
5. Better Health Channel. (2023). Personality disorders – Types, Symptoms & Treatment.
https://www.betterhealth.vic.gov.au
6. Mayo Clinic. (2022). Personality disorders overview.
https://www.mayoclinic.org
7. MedlinePlus. (2023). Dependent Personality Disorder.
https://medlineplus.gov/ency/article/000939.htm
8. Mind UK. (2022). Personality disorders – information for the public.
https://www.mind.org.uk
9. WebMD. (2023). Understanding Dependent Personality Disorder.
https://www.webmd.com
10. NHS (UK). (2022). Personality disorder – Types and symptoms.
https://www.nhs.uk
زر الذهاب إلى الأعلى