بودكاستموسم برامج شهر 8-2025
اضطراب الشيزوفرينيا الحلقة الثانية من برنامج ضيف “معركة خفية” 2 , سمية أيمن

اضطراب الشيزوفرينيا
الحلقة الثانية من برنامج ضيف “معركة خفية” 2 , سمية أيمن
للاستماع إلى حلقة اضطراب الشيزوفرينيا
View this post on Instagram
الشيزوفرينيا (الفصام): تعريف مبسّط بالأعراض والأسباب والعلاج
الفصام (الشيزوفرينيا) هو اضطراب عقلي شديد يغيّر طريقة تفكير ومشاعر وسلوك الشخص بحيث يفقد لمساته مع الواقع . تعريف دليل MSD يصفه بأنه اضطراب نفسي يتضمن «فقدان الاتصال بالواقع (ذهان)، مع هلوسات (سماع أو رؤية أشياء غير حقيقية)، وأوهام (معتقدات خاطئة ثابتة)، وسلوك وأفكار غير طبيعية، وقلة التعبير عن المشاعر، وضعف الدافع والإدراك» . وباختصار، قد يسمع المريض أصواتًا أو يرى أشياءً غير موجودة، ويعتقد بأمور غير صحيحة رغم الأدلة على خطئها، وقد يتصرف أو يتحدث بطريقة مشتّتة أو غير مترابطة. يذكر معهد مايو كلينك أن الشيزوفرينيا قد تظهر خليطًا من الهلاوس، والأوهام، والتفكير والكلام غير المنتظم، مما يجعل الحياة اليومية صعبة على المريض . وتُشير الإحصاءات إلى أن ما يقارب %1 من السكان (أي شخص من بين مئة) يصابون بالفصام في حياتهم ، وهو من أهم أسباب الإعاقة النفسية عالميًا.
الأعراض الرئيسية
أعراض الفصام متنوعة، وتتراوح بين أعراض إيجابية (تضيف سلوكيات جديدة للمريض مثل الهلاوس والأوهام) وأعراض سلبية (تأخذ شيئًا من المريض مثل تراجع الانفعالات والانسحاب الاجتماعي)، بالإضافة إلى اضطرابات في التفكير والسلوك. تذكر المصادر الطبية أهم هذه الأعراض كما يلي:
•الهلوسات (Halucinations): وهي إدراك حسي لأشياء غير حقيقية، وغالبًا ما تكون سمعية؛ أي سماع أصوات وهمية. فالمريض قد يسمع أصواتًا تتحدث إليه أو تنتقده عندما لا يكون هناك من حوله من يتحدث.
•الأوهام (Delusions): اعتقادات خاطئة ثابتة لا تستند إلى الواقع، مثل الشكّ بأن الآخرين يترصدونك أو أن لك قوى خارقة. معظم مرضى الفصام يختبرون أحد أشكال الأوهام على الأقل.
•اضطراب التفكير والكلام: يفقد المريض ترابط أفكاره وقد يجد صعوبة في التركيز. فالكلام يصبح مشوشًا أو غير متماسك (أحيانًا يظهر كنصوص متداخلة لا معنى لها).
•السلوك غير المنظم: قد يشمل تصرفات غريبة أو غير مناسبة للموقف (من الفرح أو الثرثرة المفرطة بلا سبب إلى الجمود التام)، وقد يجد المريض صعوبة في تنفيذ المهام اليومية العادية.
•الأعراض السلبية: وهي تراجع في الوظائف الطبيعية للمريض، مثل قلة التعبير عن المشاعر (وجه جامد، تواصل بصري ضعيف)، وفقر الكلام (إجابات مقتضبة)، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، والانسحاب الاجتماعي. يلاحظ المريض أنه لم يعد يستمتع بما كان يسعده سابقًا، وقد يفقد الطاقة والدافع للحركة والنجاح في الحياة اليومية.
من المهم التفريق بين الأعراض الإيجابية والسلبية: فالأولى تضيف للمريض (مثل سماع أصوات غير حقيقية)، والثانية تأخذ منه (مثل فقدان الاهتمام والفرح). تساهم كل هذه الأعراض في مشاكل التعلم والتواصل، وغالبًا ما تكون شديدة بما يكفي لتعرقل الدراسة أو العمل والعلاقات الاجتماعية.
على سبيل المثال، تخيل شابًا في العشرين من عمره يُدعَى «أحمد» (اسم مستعار). بدأ يشعر أن جاره «يتآمر عليه»، وسمع أصواتًا في غرفته تنهره وتوبخه، رغم أن الغرفة كانت خالية. بدأ ينطق بكلام مفكك يصعب فهمه، وتناقص اهتمامه بحياته؛ فقد توقف عن الذهاب إلى الجامعة وانسحب عن لقاء أصدقائه. هذه الأعراض – سماع أصوات لا وجود لها، وخطاب مشوش وانسحاب اجتماعي – هي بالضبط ما نشير إليه في الفصام.
أسباب الفصام وعوامل الخطورة
حتى الآن لا يوجد سبب واحد محدَّد للفصام؛ فالأبحاث الحديثة تشير إلى تداخل عوامل جينية وبيئية معًا . يعتقد أن الفصام أساسًا مرض بيولوجي ينشأ نتيجة تغيُّرات جزيئية ووظيفية في الدماغ، لكن ثمة عوامل خارجية قد تثيره أو تزيد احتمالية ظهوره. من أهم العوامل التي ترفع خطر الإصابة:
•الاستعداد الوراثي: يكون خطر الإصابة أعلى بكثير إذا كان أحد الأقارب المقربين مريضًا. فالإحصائيات تشير إلى أن احتمال إصابة شخص ما بالفصام هو نحو 10% إذا كان والده أو أخوه مريضًا، مقارنة بـ %1 في عامة الناس . وإذا كان أحد التوأم المتماثل مصابًا بالفصام، فإن احتمال إصابة الآخر يصل تقريبًا إلى 50% ، مما يؤكد دورًا واضحًا للجينات.
•عوامل حمل وولادة: تعرض الأم لمضاعفات أثناء الحمل أو الولادة يؤثر على المخ النامي. الأم التي أصيبت بالإنفلونزا مثلاً في الثلث الثاني من الحمل، أو إذا تعرض الطفل لنقص أوكسجين عند الولادة، أو إذا كان وزن المولود منخفضًا، كلها أمور تزيد احتمال الفصام لاحقًا.
•العدوى الدماغية: بعض الأمراض المعدية التي تصيب الدماغ (مثل التهاب السحايا أو فيروس معين) قد تلعب دورًا في التغييرات المرتبطة بالفصام.
•المخدرات: خاصة القنب (الحشيش) في سن المراهقة. تبين أن تعاطي القنب في المراهقة المبكرة يزيد من خطر ظهور أعراض الفصام لاحقًا. كما أن تعاطي بعض المخدرات النفسية الأخرى قد يثير نوبات ذهانية تشبه الفصام.
•العوامل البيئية والنفسية الأخرى: الضغوط الشديدة (صدمات نفسية أو فقدان عمل أو وفاة شخص عزيز) قد تُطلِق بداية الأعراض أو تفاقمها، خاصة عند الأشخاص المستعدين وراثيًا.
بشكل عام، ينطلق تطور الفصام من «فخ مختلط»: جينات تجعل المخ حساسًا، ثم وقوع حدث محفّز (بيئة أو دواء)، فينتج عن ذلك خلل في وظائف المخ. وُجد في الأبحاث أيضًا أن اختلال الناقلات العصبية في الدماغ – لا سيما الدوبامين والغلوتامات – مرتبط بالفصام . فالإفراط في حساسية مستقبلات الدوبامين أو خلل عمل مركبات الغلوتامات العصبية قد يساعد في تفسير بعض الأعراض (كما سيأتي في قسم العلاج).
على سبيل المثال، تشرح مراجعات حديثة أن عوامل الخطر الوراثية والبيئية تؤدي إلى اضطراب عمل هذه الناقلات في الدماغ . ولا زال العلماء يبحثون عن تفاصيل العلاقة بين كل عامل وظهور المرض، لكن الموقف الحالي يرى أن الجينات + البيئة + تغييرات كيميائية وبيولوجية في المخ كلها تساهم في الإصابة بالفصام .
العلاجات والتطورات الحديثة
الفصام مرض مزمن يتطلب علاجًا طويل الأمد وتنسيقًا بين الرعاية الطبية والنفسية والاجتماعية. يتضمن العلاج عادةً:
•العلاج الدوائي: مضادات الذهان هي الركيزة الأساسية. هذه الأدوية تقلل حدة الهلاوس والأوهام (الأعراض الإيجابية) في الغالب. من أمثلتها الأدوية التقليدية (مثل كلوربرومازين) والأدوية الحديثة (مثل ريسبيريدون، أولانزابين، أريبيبرازول، وغيرها). وقد حققت العلاجات الدوائية تطورات حديثة مهمة: في عام 2024، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على دواء جديد يُسمى Cobenfy (يحتوي على مركّب زانوميليين مع تروسبوم) ، وهو أول مضاد ذهان يختلف آلية عمله عن الأدوية التقليدية. فبينما كانت كل العلاجات القديمة تركز على «حصر الدوبامين» في الدماغ، يعمل Cobenfy على مستقبلات الكولين (مستقبلات عصبية أخرى) وبذلك يفتح آفاقًا جديدة لعلاج الأعراض عند بعض المرضى.
كما ظهرت بدائل دوائية مساعدة. مثلاً، في 2023 ظهر في السوق حقن جديدة طويلة المفعول (يُعطى مرة في الشهر أو كل شهرين) لدواء ريسبيريدون تحت اسم UZEDY . هذا الحقن يساعد من يعانون من صعوبة في تناول الأدوية يوميًا لأن الانتظام في العلاج يحسن النتائج ويقلل من نوبات الانتكاس . بشكل عام، فإن تقنيات إعطاء الأدوية لفترات طويلة (حقن أو لاصقات) تساهم في تقليل النسيان أو التخلي عن العلاج، وهذا مهم لأن فقدان الجرعة الدوائية يمكن أن يؤدي لعودة الأعراض بسرعة.
تجدر الإشارة إلى أن جميع هذه الأدوية قد تصحبها آثار جانبية، لذلك يصف الأطباء الجرعة المناسبة لكل حالة ويتابعونها دوريًا. يلعب التزام المريض بتناول الدواء حسب الوصفة دورًا حاسمًا في نجاح العلاج .
•العلاج النفسي: لا يكفي الدواء وحده، بل تُنصح البرامج التوجيهية الحديثة بإضافة علاج نفسي فعال. من أبرزها العلاج السلوكي المعرفي (CBT) الذي يساعد المريض على مواجهة الأفكار الأوهامية والتعامل مع الهلاوس بطرائق عملية. فقد وجدت مراجعات حديثة (2024) أن العلاج السلوكي المعرفي يقلل بشكل ملحوظ الأعراض السلبية للفصام (مثل ضعف الحافز والعزلة). باختصار، يساعد هذا العلاج المريض على أن يفهم أن بعض الأفكار «مرضية»، ويعلمه استراتيجيات لتقليل الضغط النفسي، وبالتالي يتمكن من تحسين تفاعله الاجتماعي ومتابعة مهامه اليومية.
وهناك أساليب نفسية أخرى مثل العلاج الأسري (إشراك العائلة في العلاج) والعلاج بالواقع الافتراضي أو الـAvatar therapy. ففي الأسابيع الأخيرة خرجت دراسات تدعم فكرة استخدام بيئات رقمية تفاعلية لعلاج هلاوس الصوت؛ مثلاً يتم إنشاء شخصية افتراضية تمثل الصوت المزعج ويُجري المريض حوارًا معها بمساعدة المعالج، ما يساعده على تقليل الخوف والتوتر. وقد سجلت إحدى التجارب السريرية أن هذا النوع من العلاج الافتراضي يُعتبر من العلاجات النفسية الرقمية الواعدة، حيث تحسنت أعراض الاستماع للأصوات المُقلقة بعد خضوع المرضى له. والجدير بالذكر أن هيئة الصحة البريطانية (NICE) ذَكرت في تقييم حديث أن «العلاج بالصور الافتراضية (Avatar therapy)» يستحق التجربة في أنظمة الصحة مع استمرار جمع الأدلة لصالحه.
•الدعم الاجتماعي وإعادة التأهيل: جزء مهم من علاج الفصام هو توفير بيئة داعمة. يشمل ذلك جلسات تعديل السلوك، وتدريب المهارات الاجتماعية، ومجموعات الدعم، ومساعدة المريض في التعليم أو العمل. توجد مبادرات عالمية حديثة تجمع جميع هذه العناصر في برنامج متكامل. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة طُبق نموذج يُسمى الرعاية التخصصية المنسقة (Coordinated Specialty Care – CSC) لعلاج أولى نوبات الذهان. هذا النموذج يجمع بين إدارة الدواء والعلاج النفسي والتوعية الأسرية ودعم العمل والتعليم وإدارة الحالة الفاعلة . وقد أثبتت دراسات برنامج «RAISE» المرافق لهذا النموذج أن المرضى الذين تلقوا هذا النوع من الرعاية شُفيتْ أعراضُهم بشكل أفضل من أولئك الذين تناولوا العلاج التقليدي فقط. بل إن نتائج هذه الدراسات أظهرت أن مثل هذه البرامج تقلص العبء النفسي على المريض وتحسّن حياة آلاف المرضى ومستقبَلهم . وفي ممارسات إعادة الدمج المجتمعي يجد المريض دعمًا إضافيًا عبر مجموعات المرضى والأخصائيين الاجتماعيين التي تساعده على الاستقلال تدريجيًا في حياته اليومية.
باختصار، يتطلب علاج الفصام مزيجًا متكاملاً: أدوية لتقليل الأعراض النفسية الحادة، وعلاجات نفسية تساعد المريض على استعادة توازنه العقلي، بالإضافة إلى دعم اجتماعي مستمر. وبفضل الأبحاث الحديثة تتوسع الآن خيارات الأدوية (مثل Cobenfy وحقن UZEDY ) وتتطور أساليب العلاج النفسي (مثل CBT والعلاج بالواقع الافتراضي ).
تجارب واقعية
للمساعدة في الفهم، يمكننا تخيل أمثلة شائعة (اسمها رمزي):
•حالة أحمد: كان شابًا مجتهدًا في الجامعة، لكنه بدأ يسمع أصواتًا توجهه بالعنف والتوبيخ. اعتقد لفترة أنه مراقب من المخابرات، وأثناء دراسته أصبح غير قادر على التركيز بسبب تشتت أفكاره. بعد التوضيح له ولعائلته أن هذه الأعراض جزء من اضطراب نفسي (الفصام) وليس حقيقيًا، بدأ بتناول دواء مضاد للذهان وحضر جلسات علاج نفسي (CBT). مع مرور أشهر، قلت الأصوات تدريجيًا وتمكن أخيرًا من استعادة توازنه.
•حالة ندى: بدأت فتاة شابة في إنكار المرض رغم أنها كانت معتادة على العزلة وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت تحبها. عائلتها لاحظت ضعف قدرتها على إدراك الواقع مع مرور الوقت. بعد استشارة طبيب نفسي، شُخِّصت بحالة شبيهة بالفصام، وبدأت علاجًا دوائيًا دائمًا مع تنظيم جلسات دعم عائلي. باتت الآن تتعاون مع أخصائية اجتماعية تساعدها على العودة إلى الدراسة مع برنامج تأهيلي، وقد انخفضت نوبات الأوهام لديها بشكل كبير.
هذه الأمثلة توضح أن الفصام قد يظهر بطرق مختلفة في كل شخص، وأن التشخيص المبكر واتباع خطة علاجية متكاملة يمكن أن يحدّ من حدة الأعراض ويعيد للمريض جزءًا من وظائفه وحياته الطبيعية.
الخلاصة
الفصام مرض معقد يشمل هلاوس وأوهامًا واضطرابات في التفكير والسلوك. لا نعرف سببه النهائي، لكن يُعتقد أنه نتاج تداخل عوامل جينية وعصبية وبيئية . الأعراض ربما تبدو غريبة، لكنها ليست من فعل المريض، بل من المرض نفسه. الخبر الجيد أن العلاجات المتوفرة اليوم فعّالة إلى حد كبير في تخفيف الأعراض واستعادة الاستقلالية. فبالإضافة إلى الأدوية الحديثة التي تم تطويرها في السنوات الأخيرة، برزت نتائج واعدة للعلاجات النفسية الداعمة (مثل العلاج المعرفي والسلوكي والدعم الأسري) . كلما تم اكتشاف المرض مبكرًا وحصل المريض على دعم مستمر ومتابعة طبية منتظمة، تحسّنت النتيجة النهائية. علينا أن نُقلّل الوصمة حول هذا المرض، وأن نعلم أن المريض بحاجة إلى التفهّم والدعم كما يحتاج العلاج الفعّال.
المصادر:
1.Mayo Clinic – Schizophrenia: Symptoms and causes
2.MSD Manual (Merck Manual Professional Edition) – Schizophrenia
3.FDA News Release (2024) – Approval of Cobenfy (xanomeline-trospium) for schizophrenia
4.Medscape / UZEDY – Long-acting risperidone injection for schizophrenia (FDA approval 2023)
5.National Institute of Mental Health (NIMH) – Schizophrenia overview & Coordinated Specialty Care (RAISE studies).
6.National Institute for Health and Care Excellence (NICE, UK) – Evaluation of Avatar therapy for schizophrenia (2024)
7.Frontiers in Psychiatry (2024) – Systematic review: Cognitive Behavioral Therapy for negative symptoms of schizophrenia
8.Lancet Psychiatry & related reviews – Dopamine and glutamate hypotheses in schizophrenia pathophysiology